وإن كان الجوع حدثا تحييه البشرية مرة في السنة، إلا أنه في بعض أنحاء الكرة الأرضية حدثا يوميا تعيشه شعوب بعض هذه الأرض، إنه الجوع الذي لا تنقله الشاشات هذه الأيام لانشغالها بنقل صور الجشع في أسواق البورصات العالمية، إنه الجوع الذي تناصبه المجتمعات المتحضرة بتخمتها العداء، ما لنا ولهؤلاء اللاهثين خلف لقمة العيش وقطرة الماء، نحن نصنع اقتصاديات الكون، أسهما تشترى وتباع، في نظام يخلق السلع ويروجها، كما يروج للجشع.
بعيدا عن السلع المختلقة والمبتكرة، الجوع وحده هو الأصيل، العطش لا يعرف ساعة إقفال أو بدء تعاملات، مسكينة تلك الشعوب التي كانت تعول على بعض فتات رخاء الآخرين، فجاءت الأزمة المالية العالمية لتطيح بالأمل حتى، خصوصا وأن بعض الدول لم تف بتعهدات سابقة لمحاربة الفقر والجوع، فهل نجرؤ الآن على سؤالها.
الجوع إنه العدو الحقيقي للجشع، ولكي يحافظ الجشع على نشاطه لا بد من الإبقاء على غريمه، فهل تتصور جشعا في عالم عادل، هل تتصور صراعا حتى الموت بحثا عن الثراء والنفوذ في عالم لا تشتري فيه الأموال شيئا، من هو الأقوى من يزرع الأرض ويأكل أم من تحولت ملياراته أسهما بلا قيمة تذكر. لا يمكن لأحد أن يتفهم معنى للجشع إن لم يعرف معنى للجوع.
عندما تنظر إلى عيون مستثمر ضاعت أمواله في لعبة البورصة والمضاربات، سترى ندما قد تتعاطف معه وربما لا، لكن عندما ترى الإنكسار في عيون طفل جائع أو أم عاجزة عن إطعامه، لا يمكن إلا أن تشعر بألم يعتصر قلبك، وتمرد وعصيان على عالم يترك هؤلاء يواجهون مصيرا لا ذنب لهم فيه، ماذا لو ولدنا في تلك النواحي من الأرض؟ كيف كنا سننظر إلى الرأسمالية وهي تتخبط بحثا عن سبل لضمان وحشيتها، بحثا عن سبل للحيلولة دون دور للدولة الرعائية والحاضنة.
ما بين الجوع والجشع يتمثل الإختلاف بحرفين إذا جمعا ستحصل على “وش” وهي وشة أصابت بصيرة البعض وضمائرهم، فسارعوا هربا من صورة طفل يموت جوعا في صحراء ما لا حاجة للحضارة فيها.
